يحيى السهروردي ( شيخ اشراق )
4
مجموعه مصنفات شيخ اشراق
والشهوة والغضب حجاب للنفس ومنع لها في الحال عن تحصيل العلوم ؛ وعلى تقدير الحصول أيضا يتمكّن في جوهر النفس محبّة هذا العالم الدنىّ ويستحكم لها العلاقة . وذلك موجب للآلام زمانا وعدم خلوص اللذّات العقليّة . فإذا فارقت النفس البدن منقوشة بحقائق الموجودات ومرتسمة بها منقطعة العلاقة عن العالم السفلىّ أو ضعيفة ، عرج بها إلى الملأ الاعلى وحصلت على الحظّ الأوفى ملتذّة بالجمال الأزلىّ ومسرورة بالبهاء الأبدي لكونها حصلت المناسبة الموجبة للانضمام ، وقد قيل انّ الجنسيّة علة الضم . وان فارقت بالعكس ، فحالها يكون بالعكس . وإذا علمت أن كمال الأنفس بالعلوم النظريّة وانّ العلم بالحكمة العمليّة نظرىّ أيضا وانّ تهذيب الاخلاق انّما جعل لتتفرّغ النفس عن الشواغل وتصفو عن الموانع الصادّة عن الاستكمال ، فالسعادة الانسانيّة مذوقة بتحصيل العلوم ولمّا كانت العلوم تنقسم بالقسمة الأولى إلى قسمين : حقيقيّة وعرفيّة اصطلاحيّة ، واعني بالحقيقيّة ما لا يتغيّر العلم به لعدم تغيّر المعلوم - لانّ تغيّر العلم تابع لتغيّر المعلوم فإذا كان المعلوم غير متغيّر فالعلم به كذلك - ، وهذا كالبارىء تعالى والعقول والنفوس والأفلاك والكلّيّات من العناصر والمركّبات . وامّا العلوم العرفيّة الاصطلاحيّة ، فما يقابل العلوم الحقيقيّة ، اعني ما يتغيّر العلم ( به ) ويتبدّل بتبدّله وتغيّره ، وهذا كالنحو واللغة والاشعار والخطب والرسائل وأمثالها من الآداب ، فانّها تتبدّل وتتغيّر عند اندراس تلك الامّة والشريعة المخصوصة بتلك العلوم بلسانها . وأعظم الأسباب في اندراسها زوال الملك عن تلك الامّة والملّة واستيلاء المخالفين لها عليها ، كما اندرس في زماننا هذا نحو اليونان ولغتهم واشعارهم وخطبهم ورسايلهم ، وكذا العلوم المتعارفة التي كانت لفارس والقبط وبابل وغيرهم من الأمم السالفة .